.

النص الكامل للعرض المسرحي المتميز 'محاكمة كتاب' للمبدع أحمد بطان

<p> </p>
<p> </p>
<p>محاكمة كتاب</p>
<p>نص مسرحي</p>
<p> 2022</p>
<p>الفصل الأول : القطار</p>
<p>المشهد الأول : محطة القطار</p>
<p>في المحطة كان الجو ربيعيا هادئا، وعلى مقاعد انتظار قطار الخامسة كان يجلس رجل يغمره الوقار، يمسك كتابا بيمناه ويضع أمامه معطفا وحقيبة صغيرة، عيناه لا تبرحان صفحات الكتاب التي يقلبها من حين لآخر بشغف واهتمام.</p>
<p>فجأة بدأ ينساب إلى مسامعه ثرثرة شبان قادمين من شباك التذاكر، بدا كأنهم يتهامسون عليه، ما إن نظر ناحيتهم حتى توجه إليه أحدهم بالكلام مبتسما، وبنبرة لا تخل من سخرية واستهزاء (كانوا ثلاثة شبان يضعون سماعات على آذانهم ويمسكون هواتفهم الذكية بأيديهم).</p>
<p>-ألازلت تعتمد على هذا النوع من القراءة أيها السيد ؟</p>
<p>-أجاب الرجل : "وما الضير في ذلك ؟"</p>
<p>عقب الشاب ضاحكا : "إن الكتب الورقية لم تعد صالحة لهذا العصر، هذا عصر الكتاب الرقمي والعولمة والأنترنيت..."</p>
<p>-أترى أن العولمة والأنترنيت ألغيا دور الكتاب الورقي ؟</p>
<p>-الأنترنيت يتيح لنا تصفح أي شيء نريده، أنا الآن ألعب لعبة إلكترونية وأستمع للموسيقى وأدردش مع صديق لي في آن واحد.</p>
<p>-وما الفائدة التي تجنيها من كل هذه الأشياء ؟ أتتعلم لغة جديدة مثلا، هل تنمي مهاراتك وقدراتك الذهنية...</p>
<p>-كل هذا متوافر على الأنترنيت، فلا حاجة لك أيها السيد بهذه الكراسة الورقية.</p>
<p>فجأة بدأ الكتاب الورقي بالكلام أمام اندهاش الجميع !...</p>
<p>-كيف تقول هذا أيها الشاب ؟ أنا لازلت حاضرا بقوة في كبريات المكتبات العالمية، اسأل عني مكتبة الكونغرس في أمريكا ومكتبة لافناك في فرنسا وغيرهما...</p>
<p>ما كاد الشاب أن يستوعب الموقف حتى انبرى الكتاب الرقمي من قلب هاتفه الذكي، وكان الغضب باديا على وجهه، ثم توجه للكتاب الورقي قائلا :</p>
<p>-"لا تفرح كثيرا بهذا الوضع! إنهم يفكرون بالتخلص منك شيئا فشيئا، وسأحتل كل أمكنتك عما قريب</p>
<p>الكتاب الورقي : " هذا لا يمكن أن يحصل، فالقراء لازالوا مرتبطين بي عاطفيا، كما أنني أجنبهم خطر الإشعاعات المضرة بصحتهم وصحة أعينهم، زد على ذلك أن قراءتي لا تتطلب الاستعانة بعوامل خارجية كالتيار الكهربائي والاشتراك بالأنترنيت وغير ذلك..."</p>
<p>- أتعني بكلامك أنني أضر بصحة المواطنين وأرهق جيوبهم، أنت أكثر إضرارا مني بهم ، أنت عدو للبيئة، يتلفون أشجار الغابات من أجل صناعة أوراقك، كما أنك تتعرض للمرض والتآكل، فتكثر الطفيليات من حولك وتضر بصحة القراء، مما يضطر القيمين على المكتبات إلى إنفاق الأموال من أجل صيانتك أو استبدالك في بعض الأحيان بنسخ جديدة..."</p>
<p>أشار الكتاب الرقمي بسبابته إلى الكتاب الورقي وأردف قائلا: أنت مجرم خطير! وسأقوم برفع دعوى قضائية ضدك حتى أخلص العالم منك ومن شرورك بصفة نهائية".</p>
<p>ما إن تم الإعلان عن وصول القطار المتوجه إلى مدينة الرباط عبر مكبر الصوت، حتى قفز الكتاب الرقمي وعاد سيرته الأولى، كما عاد الكتاب الورقي إلى سكونه المعهود..</p>
<p>المشهد الثاني: في القطار</p>
<p>ركب الرجل ومعه الشبان الثلاثة القطار وأخذ كل مكانه، قبل أن يبادر أحدهم بالحديث من جديد.</p>
<p>-ألا تعتقد أيها السيد أن الكتاب الرقمي كان محقا في كل ادعاءاته ؟</p>
<p>-بالتأكيد، لكن ادعاءات كتابي أيضا كانت في محلها، ولو أمهلنا الوقت لتمكن الكتاب الورقي من دحض كل التهم التي وجهت إليه...</p>
<p>استدرك أحد الشبان قائلا :</p>
<p>-لقد هدد الكتاب الرقمي باللجوء إلى القضاء وعرض كل الأفعال المشينة التي اقترفها الكتاب الورقي أمامه.</p>
<p>- مهلا مهلا أيها الشاب..فالكتاب الرقمي نفسه ليس نظيف اليدين، ولقد سمعت بنفسك كم الاتهامات الخطيرة التي وجهها له كتابي المسكين.</p>
<p>-من منهما المحق في اعتقادك يا سيدي ؟</p>
<p>-أنا لم تتضح لي الرؤية بعد، ولكن أعتقد أن القضاء هو الذي سيفصل في النزاع.</p>
<p>-أتعتقد أن الكتاب الرقمي جاد في ما قال ؟</p>
<p>-نعم، لقد بدى في عينيه إصرار غريب على مقاضاة الكتاب الورقي، إنه يرغب في إزالته من الوجود، ولكن بطريق قانوني.</p>
<p>فجأة أخذ الشاب يحدق في شاشة هاتفه الذكي بعينين تملأهما الدهشة ثم صاح قائلا: تعالوا تعالوا بقربي لتروا ماذا يجري، لقد ذهب الكتاب الرقمي فعلا إلى محكمة الجنايات وقدم شكاية إلى ممثل الحق العام.</p>
<p>-الرجل: ألم أقل لك، لقد كان عازما على فعلته.</p>
<p>-الشاب: وماذا تقترح الآن يا سيدي ؟</p>
<p>-فلنذهب إلى المحكمة ونستقصي عن موعد الجلسة.</p>
<p>-أتعني أنه يتوجب علينا حضور الجلسة ؟</p>
<p>-أجل، إنها قضية الساعة، والحسم فيها قد يقرب بين وجهات نظرنا نحن أيضا.</p>
<p>-كيف ذلك ؟</p>
<p>-أنتم تعتقدون أن الرقميات أزالت الكتاب من المشهد الثقافي، وأنا أرى العكس. مناقشة القضية من لدن أناس متخصصين ستوضح لي ولكم الكثير من الإشكالات التي كانت عالقة في أذهاننا وأذهان الكثيرين.</p>
<p>- معك حق، سيكون لنا لقاء قريب في قاعة الجلسات إن شاء الله.</p>
<p> الفصل الثاني : المحاكمة</p>
<p>المشهد الأول : الجلسة الافتتاحية</p>
<p>قاعة الجلسات مكتضة بالحضور، أغلبهم من مهنيي الكتاب وفاعلي الثقافة والمجتمع المدني، ينتظرون بشوق ما ستسفر عنه المحاكمة، ويتجاذبون أطراف الحديث بخصوص الموضوع من حين لآخر.</p>
<p>فجأة فتح باب خلف منصة القضاة وظهر حاجب المحكمة، وقف جانبا وهو منتصب القامة ثم صاح : "محكمة"</p>
<p>بعدها دخل القضاة وأخذ كل مكانه، ثم بدأ القاضي الأوسط (رئيس الجلسة) بالحديث ؛</p>
<p>القاضي : بسم الله الرحمن الرحيم فتحت الجلسة</p>
<p>ملف قضية اليوم يضم طرفي نزاع، الكتاب الرقمي كمدع من جهة والكتاب الورقي كمدعى عليه من جهة أخرى.</p>
<p>الكتاب الرقمي يتهم الكتاب الورقي بالأفعال التالية:</p>
<p>-جريمة بيئية متمثلة في إتلاف القطاع الغابوي من أجل إنتاج أوراقه.</p>
<p>-استهلاك قدر كبير من العقارات والتجهيزات من أجل حفظه وتصنيفه وصيانته.</p>
<p>-إرهاق جيوب آباء وأولياء التلاميذ في فترة الدخول المدرسي.</p>
<p>-إرهاق الأطفال ذوو البنية الجسمانية الضعيفة واضطرارهم لحمله كل يوم ذهابا وإيابا إلى المدرسة.</p>
<p>-صعوبة إرساله ونقله بالسرعة المطلوبة بين المهنيين والقراء.</p>
<p>يؤازر الكتاب الورقي في هذه القضية الأستاذ: زايد</p>
<p>ممثل الحق العام السيد: عمر.</p>
<p>توجه القاضي إلى المدعى عليه بالحديث قائلا :</p>
<p>الكتاب الورقي، ما قولك في التهم الموجهة إليك ؟</p>
<p>الكتاب الورقي : أنا بريئ سيدي القاضي، كل ما فعلته كان بدافع إنساني نبيل، فلم يكن في نيتي سوى خدمة البشرية وإمدادها بنور العلم والمعرفة، وفي إطار ما تسمح به القوانين والأنظمة.</p>
<p>الكلمة لدفاع المتهم:</p>
<p>سيدي الرئيس لي جزيل الشريف أن أحظى اليوم بشرف الدفاع عن الكتاب الورقي، هذا الكتاب الذي نقل لنا تاريخ الأمم السابقة وعلومها وآدابها ولازال، كتاب ندين له جميعا بالمساهمة في تعليمنا وتلقيننا، كتاب تشرف بحمل كلام الله عز وجل لقرون خلت ولازال يفعل إلى يومنا هذا، وإذا به اليوم يلقى جحودا واتهامات خطيرة من طرف أقرب الناس إليه وهو الكتاب الرقمي. سيدي الرئيس، إن هذا ليس أمرا غريبا على شاب حدث السن، فلولا الكتاب الورقي لما وجد هو، لأنه لم يقم إلا باستنساخه وولوج الحاسوب، ماذا لو انقطع التيار الكهربائي هل سيبقى له وجود.</p>
<p>قام الكتاب الرقمي من مكانه منفعلا وهو يصيح :</p>
<p>أنا لا أسمح بهذا سيدي القاضي، لقد أهانني دفاع المتهم مرتين، في المرة الأولى قال أنني حدث السن أي أنني لا أع ما أقول، وفي الثانية قال أن وجودي رهين بوجود التيار الكهربائي...</p>
<p>القاضي: الزم مكانك من فضلك أنا لم أعطك الحق في الكلمة بعد.</p>
<p>-أتمم كلامك يا أستاذ</p>
<p>نعم، شكرا سيدي الرئيس. إن التهم التي وجهها المدعي لموكلي غير ذات معنى، فالقول بأنه يتلف القطاع الغابوي، فذلك من أجل تجنب ضرر أكبر يتمثل في الأذى الذي تلحقه إضاءة الأجهزة الإلكترونية بأعين القراء، إضافة إلى بعض الأمراض الأخرى التي تسببها له إشعاعات هذه الأجهزة، وهو ذات السبب الذي يجعله يشغل حيزا كبيرا من العقارات والتجهيزات.</p>
<p>أما عن إرهاق جيوب المواطنين فهي مسألة قد تحلها بعض الجهات المسؤولة في الدولة عن طريق تخفيض ثمن الكتاب المدرسي، وإنقاص عدد المقررات المطبوعة مع الاحتفاظ بالضروري منها فقط، ثم إنني لا أعتقد أن الكتاب الرقمي يقدم نفسه مجانا للتلاميذ والطلاب.</p>
<p> القاضي: الكلمة للسيد ممثل الحق العام:</p>
<p>ممثل الحق العام : شكرا سيدي الرئيس لدي سؤالين لدفاع المتهم؛ ما قولك في كون موكلك يرهق الأطفال ذوي البنية الجسمانية الضعيفة، ويصعب إرساله ونقله بين المتعاملين به وقرائه ؟</p>
<p>بخصوص سؤالكم الأول فقد أجبت عنه قبل قليل، إذ يمكن للوزارة الوصية أن تختزل عدد المقررات الدراسية وتحتفظ فقط بالأساسي منها، كما بإمكان الأطفال ذوو البنية الجسمانية الضعيفة الاستعانة بمحفظات مزودة بعجلات، وهي متوفرة اليوم بغزارة في الأسواق، أما عن صعوبة نقله للأماكن البعيدة فأعتقد أنها مسألة بإمكان المدعي مساعدة موكلي في حلها.</p>
<p>القاضي : الكلمة للكتاب الرقمي</p>
<p>الكتاب الرقمي : سيدي الرئيس، إن الكتاب الورقي عدو للبيئة، فهو من جهة يقضي على الأشجار والنباتات التي تعتبر المزود الأساسي للإنسان بالأكسجين، ناهيك عن دورها الكبير في محاربة ظاهرتي التصحر والاحتباس الحراري، زد على ذلك أنه يتعرض للتآكل والتلف بعد سنوات قليلة من صنعه، فيصبح مصدرا للطفيليات والأمراض.</p>
<p>القاضي : دفاع الكتاب الورقي هل من تعقيب ؟</p>
<p>الدفاع : سيدي الرئيس إن مسألة إتلاف القطاع الغابوي لا يتحملها موكلي وحده، بل يتحمل قدرا ضئيلا منها فقط، إن تجار الخشب والأثاث المنزلي يستنزفون هذا القطاع أكثر، ومن أجل أسباب تافهة في بعض الأحيان يكون غرضها الزينة والترف ليس إلا، أما موكلي فهو يفعل من أجل التعليم والتثقيف والتنوير وشتان بين الهدفين والمقصدين، أبعد أن ساهم في</p>
<p>بناء أمم وحضارات عريقة نضعه اليوم في قفص الاتهام ؟ هذا يذكرني بالمثل العامي المغربي : "اصعد الكرمة لأكل التين، انزل من طلب منك هذا ؟".</p>
<p>تعالت قهقهات الحاضرين داخل الجلسة، وأخذ القاضي يضرب بمطرقته الخشبية ويردد : هدوء هدوء من فضلكم.</p>
<p>بعد أن هدأت القاعة وسكت كل الحاضرين أردف القاضي قائلا :</p>
<p>-السيد دفاع المتهم، إن المدعي اتهم موكلك أيضا بأنه يعرض صحة القراء للخطر وذلك عندما يتعرض للقدم والتآكل، كيف تجيب عن هذا الاتهام ؟</p>
<p>-سيدي الرئيس هناك مجموعة من التدابير يقوم بها المكتبيون من أجل صيانة الكتاب من المرض والتآكل، كالتهوية وفسح المجال لأشعة الشمس كي تحارب الرطوبة بداخله، بالإضافة إلى تنظيفه يوميا من الغبار بمناديل من القماش وغيرها من الوسائل.</p>
<p>أما عندما يصير قديما ولا تنفع معه حتى تقنيات المعالجة الكيميائية، فيتم استبداله وتعويضه من خلال نظام التعشيب.</p>
<p>-القاضي : ألا ترى أن ذلك مكلفا يا أستاذ ؟</p>
<p>-في الواقع لا، فالكتاب الورقي إذا تمت صيانته والمحافظة عليه من طرف عاملي المكتبة لا يتعرض للمرض والتآكل، وحتى إن حدث هذا فهو يتم بعد سنوات طويلة جدا، يكون محتواه خلالها قد صار متجاوزا، فيتم استبداله بطبعة جديدة حتى وإن بقي في حالة صحية جيدة.</p>
<p>ثم إن الكتاب الرقمي أيضا يتعرض للفيروسات، ويكلف أصحاب الحواسيب غاليا من أجل شراء مضادات الفيروسات الرقمية، ناهيك عن الأمراض التي تسبهها إشعاعاته في بعض الأحيان للقراء، والانفجارات التي تتعرض لها الهواتف الذكية إذا بقيت في الشحن مدة طويلة. أطرق القاضي برأسه قليلا وأخذ يقلب صفحات الملف الذي أمامه، بعدها أخذ يناجي المستشارين القاعدين بجانبه ثم توجه بالحديث للعموم قائلا :</p>
<p>تؤجل الجلسة إلى الشهر المقبل من أجل الاستماع للشهود.</p>
<p>المشهد الثاني : الشهود</p>
<p>كانت قاعة الجلست هذه المرة أكثر اكتضاضا من سابقتها، فقد حضر رجال الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وكانوا يلتقطون الصور من حين لآخر ويجرون حوارات مع المحامين ورجال الثقافة والمجتمع المدني...</p>
<p>ما إن نادى الحاجب : محكمة، حتى غادر الصحفيون القاعة وعاد الحاضرون إلى أماكنهم ملتزمين الصمت.</p>
<p>القاضي : بسم الله الرحمن الرحيم فتحت الجلسة، نادوا على شاهد الإثبات الأول.</p>
<p>تقدم الشاهد بخطى وئيدة نحو هيئة المحكمة، ومثل أمام القاضي. توجه إليه القاضي بالكلام؛</p>
<p>القاضي : اسمك وسنك ومهنتك</p>
<p>الشاهد : اسمي عادل، سني ثلاثون سنة وأمتهن الكتابة منذ فترة.</p>
<p>القاضي : ارفع يدك اليمنى وقل "أقسم بالله العظيم أن أقول الحق"</p>
<p>الشاهد : أقسم بالله العظيم أن أقول الحق.</p>
<p>القاضي : تفضل بالحديث</p>
<p>في الواقع سيدي الرئيس أن المدعى عليه يكلفني غاليا، فعندما أطبعه على نفقتي الخاصة أدفع لصاحب المطبعة وللموزع والبائع، وحين تتكفل دار النشر بطباعته وتوزيعه والدعاية له لا يبق لي سوى هامش قليل من الربح. أما الكتاب الرقمي فقد أطبعه وأوزعه وأسوقه بنفسي وأحتفظ بكل الأرباح لنفسي.</p>
<p>دفاع الكتاب الورقي هل من سؤال ؟</p>
<p>الدفاع: نعم سيدي الرئيس، سؤالي موجه للشاهد، هل سبق لك أن نشرت كتابا رقميا على نفقتك الخاصة ؟</p>
<p>-الشاهد : لا يا أستاذ</p>
<p>-الدفاع: وكيف عرفت أن الكتاب الرقمي سيكلفك أقل.</p>
<p>-الشاهد : هو مجرد تخمين</p>
<p>-الدفاع : شكرا سيدي الرئيس.</p>
<p>القاضي : نادوا شاهد الإثبات الثاني</p>
<p>بعد مثول الشاهد الثاني أمام القاض سأله السؤال الروتيني ؛</p>
<p>القاضي : اسمك وسنك ومهنتك.</p>
<p>الشاهد : اسمي عمار، سني اثنتان وثلاثون عاما، موثق معلومات.</p>
<p>القاضي : ارفع يد اليمنى وقل "أقسم بالله العظيم أن أقول الحق"</p>
<p>الشاهد : أقسم بالله العظيم أن أقول الحق.</p>
<p>-القاضي : تفضل</p>
<p>سيدي الرئيس إن مهمتي توثيق المعلومات داخل المؤسسات والشركات، بما فيها الكتب الورقية وملفات الأرشيف، في الواقع إن التعامل مع الكتاب الورقي أمر في غاية التعقيد، فهو يشغل مساحة كبيرة من مركزي داخل المؤسسة، كما أن رقمنته تأخذ وقتا طويلا، وإذا أردنا استيراده من الخارج فذلك يكلف مؤسستنا غاليا.</p>
<p>القاضي : دفاع المتهم هل من تعقيب.</p>
<p>الدفاع : نعم سيدي الرئيس لدي سؤالين للشاهد ؛</p>
<p>إذا تعرضت قاعدة بياناتك لعطل معين بسبب انقطاع التيار الكهربائي، أو أصيبت بفيروس...ألا تلجأ للنسخ الورقية من أجل مواصلة عملك ؟</p>
<p>-الشاهد : نعم</p>
<p>الدفاع : هل شراء الكتب الرقمية أو تحميلها يكون دائما مجانيا ؟</p>
<p>الشاهد : لا، كل الكتب التي تحتاجها مؤسستنا عالية الجودة، وعلى درجة عالية من التخصص، لا يمكن تحميلها مجانا.</p>
<p>الدفاع : سيدي الرئيس إن دفوعات كل من الشاهدين لا تستند على أساس قوي، فالكاتب يدعي أن نشر أعماله بالاعتماد على مجهوده الشخصي من خلال الأنترنيت أمر غير مكلف، مع العلم أن توضيب الكتاب من الناحية الفنية بشكل احترافي يحتاج إلى خبرة ذوي الاختصاص، وهم يطلبون مقابلا لعملهم، زد على أن التسويق عبر الأنترنيت بشكل فعال لا يتم دون دفع مقابل مادي.</p>
<p>وإذا لم يكن ملما بعلم البرمجيات والتطوير المعلوماتي فقد يتعرض عمله للقرصنة بسهولة فائقة، كما أن هناك فئة عريضة من القراء لا زالت تفضل التعامل مع الكتاب الورقي، ما الحل إذا طلب منه أحد زبنائه إمداده بالنسخة الورقية ؟...</p>
<p>أما الشاهد الثاني فقد اعترف أمام أنظاركم بأنه لا يستطيع الاستغناء عن النسخة الورقية في حالة تعرض قاعدة بياناته لعطل ما.</p>
<p>وبهذا فأنا متمسك ببراءة موكلي وإخلاء سبيله.</p>
<p>القاضي : ممثل الحق العام هل من تعقيب ؟</p>
<p>ممثل الحق العام : نعم سيدي الرئيس، إن دفوع السيد المحامي تقوم كلها على افتراضات من قبيل ماذا لو تعرض كتابك للقرصنة ؟ ماذا لو تعرضت قاعدة البيانات للعطل ؟... إلخ.</p>
<p>وأنا أقول، ماذا لو لم يحدث كل هذا ؟ أنترك المتهم يعيث في الأرض فسادا ؟ لقد رفعت الدول المتقدمة وعلى رأسها فرنسا منذ سنة 1970 شعار "مكاتب بدون ورق"، وذلك لكون أرشيفات مؤسساتها كانت ملآى عن آخرها، وتسببت للعديد من عمال الأرشيف بالمرض من جراء الغبار والطفيليات المتناثرة على الأوراق، أنظر اليوم إلى مكاتبهم إنها تشع نظافة وألقا، بعد أن رقمنوا كل مصالح الأرشيف وجمعوها في أقراص وفلاشات تشغل حيزا مكانيا صغيرا، ولا تحتاج للحفظ والصيانة في كل وقت وحين.</p>
<p>القاضي : التعقيب لدفاع المتهم</p>
<p>الدفاع : سيدي الرئيس إن زميلي ممثل الحق العام يتحدث عن الوثائق الإدارية لا على الكتب، وأنا متفق معه على الدور الذي لعبته الرقمنة في حل العديد من المشاكل المرتبطة بالأرشيف، وإن كانت لم تستطع تنحية الوثائق الورقية بشكل كلي، فالتعامل بها لا زال ساريا إلى يومنا هذا.</p>
<p>أما بخصوص تعقيبي على كلام الشاهدين فأنا لم أستند على فرضيات وإنما على واقع يفرض نفسه وبشدة، ولا زال دعاة الرقمنة لم يعثروا له عن حلول إلى اليوم. ثم إنني ألتمس من محكمتكم الموقرة استدعاء بعض شهود النفي، فلا تكتمل محاكمة دون الاستماع إليهم أيضا، شكرا سيدي الرئيس.</p>
<p>أخذ القاضي يستشير مع زملائه ثم قال :</p>
<p>-نادوا شاهد النفي الأول</p>
<p>تقدمت الشاهدة نحو هيئة المحكمة ومثلت أمام القاضي.</p>
<p>القاضي : اسمك وسنك ومهنتك.</p>
<p>الشاهدة : إسمي فاطمة، سني ثمانية وأربعون سنة، ربة بيت.</p>
<p>-أقسم بالله العظيم أن أقول الحق</p>
<p>القاضي : تفضلي</p>
<p>أنا يا سيدي القاضي أم لمراهقين، أحدهما في المرحلة الإعدادية والآخر في المرحلة الثانوية، لا يفارقون هواتفهم الذكية وحواسيبهم بحجة المذاكرة، وحين أقترب منهم لأتبين الأمر أجدهم منغمسين في ألعابهم الإلكترونية، ودردشاتهم على الفيسبوك...مع أن كتبهم الرقمية متوفرة على ذات الأجهزة. إن تلك الأجهزة تشتت تركيز التلاميذ والطلاب وحتى الكبار، عندما يشرع المرء في قراءة كتاب أو رواية كثيرا ما تقاطعه بعض الرسائل والمكالمات من الأصدقاء فتصرفه عما كان بصدده، ناهيك عن بعض الأخبار والحملات الدعائية التي تظهر على حين غرة، فإذا كان هذا حالنا نحن الكبار فما بالك بالأطفال والمراهقين.</p>
<p>أنا ألتمس منكم سيدي الرئيس إنصاف الكتاب الورقي، فهو يساعدنا على الاحتفاظ بتركيزنا.</p>
<p>القاضي : دفاع المتهم هل من سؤال ؟</p>
<p>الدفاع : لا سيدي الرئيس</p>
<p>القاضي : السيد ممثل الحق العام هل من سؤال ؟</p>
<p>ممثل الحق العام : لا سيدي الرئيس.</p>
<p>القاضي : نادوا على الشاهد الثاني.</p>
<p>تقدمت سيدة في الثلاثينيات من العمر ومثلت أمام هيئة المحكمة.</p>
<p>القاضي : اسمك وسنك ومهنتك</p>
<p>الشاهدة : اسمي حنان، سني أربعة وثلاثون عاما، شاعرة.</p>
<p>-أقسم بالله العظيم أن أقول الحق</p>
<p>القاضي : تفضلي</p>
<p>-أنا سيدي الرئيس لا زلت إلى يومنا هذا لا أقرأ في غير الكتاب الورقي، فهو خفيف الوزن والظل، أحمله معي إلى الأرياف وشاطئ البحر، دون تخوف من إمكانية نفاذ بطرياته، وعندما ينتابني إحساس الكتابة أنتشل مفكرتي الورقية الصغيرة بسهولة ويسر من جيبي، وأدون بها ما يحلو لي من أشعار وخواطر.</p>
<p>لا أستطيع أن أتخيل حياتي دون أوراق ودون كتاب ورقي.</p>
<p>القاضي : الكلمة لدفاع المتهم.</p>
<p>الدفاع : بعدما استمعنا سيدي الرئيس، حضرات السادة المستشارين إلى أقوال الشاهدتين، ازدادت قناعتي شخصيا بضرورة محافظتنا بل وحمايتنا للكتاب الورقي، هو فعلا كتاب يستحق التبجيل والاحترام، فبعد كل هذا التطور الحاصل في مجال تكنولوجيا المعلومات، لا زال يحافظ على مكانته حتى لدى خصومه، وهو ما لمسناه من خلال أقوال شاهدي الإثبات اللذين قدمتهما النيابة العامة.</p>
<p>القاضي : الكلمة للكتاب الرقمي.</p>
<p>-لقد أدركت بعد الاستماع لدفوعات كل من زميلي الكتاب الورقي ودفاعه وكذا شهود النفي، أن التهم التي وجهتها إليه كان لها ما يبررها، لهذا فأنا أسألكم تمتيعه بظروف التخفيف، شكرا.</p>
<p>القاضي: الحكم بعد المداولة، رفعت الجلسة.</p>
<p>ما إن غادر القضاة الثلاثة القاعة حتى عادت إلى صخبها الأول، اتجه المحامي للكتاب الورقي وأمسك بيديه قائلا : اطمئن سيكون الحكم في صالحنا إن شاء الله.</p>
<p>بعدها اتجه الكتاب الرقمي إلى الكتاب الورقي وعلى وجهه نظرة إشفاق وعرفان وندم، ثم قال له : سامحني يا صديقي لقد كنت قاسيا معك.</p>
<p>فجأة ظهر الحاجب ووقف وقفته المعهودة صائحا : محكمة</p>
<p>دخل بعدها القضاة الثلاثة مباشرة وأخذوا أماكنكهم، ثم نطق رئيس الجلسة بالحكم :</p>
<p>حكمت المحكمة حضوريا ببراءة الكتاب الورقي ومصالحته مع الكتاب الرقمي ليتمكنا من إكمال مشوارهما سوية.</p>
<p>رفعت الجلسة.</p>
<p>عانق الكتاب الرقمي والكتاب الورقي بعضهما البعض وتعالى صياح الحضور : يحيا العدل يحيا العدل...</p>
<p>توجه الكتابان إلى المحامي وشكراه بحرارة، ثم قال الكتاب الورقي : شكرا لك يا أستاذ لقد كنت رائعا أنا مدين لك بحياتي.</p>
<p>المحامي: كلنا مدينون لك أيها العظيم، مرافعتي عنك لم تكن إلا ردا للجميل.</p>
<p>بعدها وضع الكتاب الورقي يده في يد الكتاب الرقمي وانطلقا خارج المحكمة.</p>
<p>الفصل الثالث : التعايش</p>
<p>المشهد الأول : حديقة المحكمة</p>
<p>وقف الكتابان وسط الحديقة قرب النافورة والحمائم تحيط بهم من كل جانب وهما مبتسمين.</p>
<p>الكتاب الورقي : ما أجمل الحرية، كأني كنت في كابوس واستيقظت في هذا المكان الجميل.</p>
<p>الكتاب الرقمي : أجل، لقد ظننت أنني أستطيع إكمال المشوار وحدي وبدونك، ضاربا عرض الحائط بكل ماضيك العريق وأمجادك.</p>
<p>الكتاب الورقي : لم يكن رأيك وحدك فقد سمعت بنفسك ماقاله الشبان الثلاثة في البداية بشأني، فضلا عن شهود الإثبات، وهم يمثلون فئة عريضة من المجتمع.</p>
<p>الكتاب الرقمي : حمدا لله، لقد تجلت لنا الحقائق بفضل محاميك، من دلك على مكتبه ؟</p>
<p>الكتاب الورقي : لا أحد، أنا نفسي فوجئت عندما وجدته قد سبقني إلى مكتب وكيل النيابة وبدأ المرافعة عني.</p>
<p>الكتاب الرقمي : لا زال لديك الكثير من المحبين والمعجبين، نسيت أنك سبقتني للوجود بآلاف السنين.</p>
<p>الكتاب الورقي : في نظرك هل ستستمر المعارك بين أنصاري وأنصارك.</p>
<p>الكتاب الرقمي : بعد هذه المحاكمة/المناظرة لا أعتقد، الكل الآن مقتنع بضرورة تعاوننا من أجل بلوغ الغاية النبيلة.</p>
<p>الكتاب الورقي : وما هذه الغاية النبيلة ؟</p>
<p>-لقد حققتها أنت بالفعل على مدى قرون خلت، كل ما وصل إليه العالم من حضارة وأنوار إلى حدود نهايات القرن الماضي كان بفضلك، ألم تسمع مقولة ألكسندر وبيرك "لو تحطمت كل الآلات الحديثة وبقيت المكتبات لتمكن رجال العصر من بناء هذه الحضارة العظيمة".</p>
<p>-صحيح، والمكتبات أصبحت تشملك أنت أيضا اليوم بفضل سهولة وسلاسة تنقلك بين المستعملين، لقد قدم الأنترنيت خدمة كبيرة لي ولك.</p>
<p>-بالنسبة لي فأنا ابنه وأعيش بداخله، لكن كيف خدمك أنت ؟</p>
<p>-بفضله أصبح تسويقي وإشهاري بل وحتى كتابتي تتم بشكل أسهل وأسرع وبتكاليف أقل.</p>
<p>-أجل طبعا، لكن كيف تعتقد أننا سنتعاون بشكل فعال.</p>
<p>-تعال معي نقم بجولة حول بعض المرافق لأريك.</p>
<p>المشهد الثاني : جولة استكشافية</p>
<p>ولج الكتابان أحد المكتبات الوسائطية كطيفان لا يراهما أحد، فلمحا مجموعة من القراء يصطفون وراء حواسيب ثابثة، وكل واحد منهم منهمك بالبحث عن الكتاب/الوثيقة التي يحتاجها، ثم قال الكتاب الورقي :</p>
<p>-أرأيت كيف أن التكنولوجيا أتاحت البحث والعثور عني بيسر وسهولة دون وساطة أحد موظفي المكتبة.</p>
<p>-أجل أجل وإني أرى بعض القراء يطلون على بعض الوثائق أيضا من عين المكان وهذا بفضل رقمنتك.</p>
<p>فجأة بدأ يصل إلى مسامعهما حوارا حادا بين أحد القراء والموظف المكلف بقاعة المطالعة، اقتربا منهما فوجدا القارئ غاضبا وهو يخاطب الموظف قائلا :</p>
<p>-منذ زمن وأنا آتي للمكتبة ولا أجد الكتاب الذي أبحث عنه على الرفوف، مع أنه متوافر في الفهرس الإلكتروني.</p>
<p>-هدئ من روعك لعل أحدهم استعاره أوبصدد استعماله الآن.</p>
<p>-ألا تملكون منه سوى نسخة واحدة.</p>
<p>-هذا النوع من المراجع نقتني منه أربعة نسخ.</p>
<p>-لكن أين هي ؟</p>
<p>-كلها الآن قيد الاستعمال، هل أنت مشترك بالمكتبة ؟</p>
<p>-نعم</p>
<p>-إذن لماذا لا تطالع نسخته الرقمية، فهي موضوعة رهن إشارة القراء في موقعنا الإلكتروني.</p>
<p>-انبسطت أسارير القارئ وقال :</p>
<p>-فكرة رائعة، كيف لم تخطر ببالي شكرا جزيلا.</p>
<p>-الكتاب الورقي : أرأيت كيف ساعدتني الآن أيضا.</p>
<p>-أجل يا صديقي، أصبح كلانا يقدم خدمات جليلة للإنسانية.</p>
<p>-إذن لا حاجة لي بأخذك إلى مرافق أخرى من أجل إبراز مدى التعاون الحاصل بيننا.</p>
<p>-هدفنا الآن يكمن في إقناع وإخبار كافة الناس بهذا التعاون والتعايش من أجل الاستفادة منه إلى أبعد الحدود.</p>
<p>-هو دور يشاركنا فيه الفاعلون التربويون والمدربون والجمعيات والمكتبات والمدارس...</p>
<p>هدئ من روعك فالقادم أجمل إن شاء الله.</p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>

بقلم : أحمد بطان

 

 

محاكمة كتاب

نص مسرحي

 2022

الفصل الأول : القطار

المشهد الأول : محطة القطار

في المحطة كان الجو ربيعيا هادئا، وعلى مقاعد انتظار قطار الخامسة كان يجلس رجل يغمره الوقار، يمسك كتابا بيمناه ويضع أمامه معطفا وحقيبة صغيرة، عيناه لا تبرحان صفحات الكتاب التي يقلبها من حين لآخر بشغف واهتمام.

فجأة بدأ ينساب إلى مسامعه ثرثرة شبان قادمين من شباك التذاكر، بدا كأنهم يتهامسون عليه، ما إن نظر ناحيتهم حتى توجه إليه أحدهم بالكلام مبتسما، وبنبرة لا تخل من سخرية واستهزاء (كانوا ثلاثة شبان يضعون سماعات على آذانهم ويمسكون هواتفهم الذكية بأيديهم).

-ألازلت تعتمد على هذا النوع من القراءة أيها السيد ؟

-أجاب الرجل : "وما الضير في ذلك ؟"

عقب الشاب ضاحكا : "إن الكتب الورقية لم تعد صالحة لهذا العصر، هذا عصر الكتاب الرقمي والعولمة والأنترنيت..."

-أترى أن العولمة والأنترنيت ألغيا دور الكتاب الورقي ؟

-الأنترنيت يتيح لنا تصفح أي شيء نريده، أنا الآن ألعب لعبة إلكترونية وأستمع للموسيقى وأدردش مع صديق لي في آن واحد.

-وما الفائدة التي تجنيها من كل هذه الأشياء ؟ أتتعلم لغة جديدة مثلا، هل تنمي مهاراتك وقدراتك الذهنية...

-كل هذا متوافر على الأنترنيت، فلا حاجة لك أيها السيد بهذه الكراسة الورقية.

فجأة بدأ الكتاب الورقي بالكلام أمام اندهاش الجميع !...

-كيف تقول هذا أيها الشاب ؟ أنا لازلت حاضرا بقوة في كبريات المكتبات العالمية، اسأل عني مكتبة الكونغرس في أمريكا ومكتبة لافناك في فرنسا وغيرهما...

ما كاد الشاب أن يستوعب الموقف حتى انبرى الكتاب الرقمي من قلب هاتفه الذكي، وكان الغضب باديا على وجهه، ثم توجه للكتاب الورقي قائلا :

-"لا تفرح كثيرا بهذا الوضع! إنهم يفكرون بالتخلص منك شيئا فشيئا، وسأحتل كل أمكنتك عما قريب

الكتاب الورقي : " هذا لا يمكن أن يحصل، فالقراء لازالوا مرتبطين بي عاطفيا، كما أنني أجنبهم خطر الإشعاعات المضرة بصحتهم وصحة أعينهم، زد على ذلك أن قراءتي لا تتطلب الاستعانة بعوامل خارجية كالتيار الكهربائي والاشتراك بالأنترنيت وغير ذلك..."

- أتعني بكلامك أنني أضر بصحة المواطنين وأرهق جيوبهم، أنت أكثر إضرارا مني بهم ، أنت عدو للبيئة، يتلفون أشجار الغابات من أجل صناعة أوراقك، كما أنك تتعرض للمرض والتآكل، فتكثر الطفيليات من حولك وتضر بصحة القراء، مما يضطر القيمين على المكتبات إلى إنفاق الأموال من أجل صيانتك أو استبدالك في بعض الأحيان بنسخ جديدة..."

أشار الكتاب الرقمي بسبابته إلى الكتاب الورقي وأردف قائلا: أنت مجرم خطير! وسأقوم برفع دعوى قضائية ضدك حتى أخلص العالم منك ومن شرورك بصفة نهائية".

ما إن تم الإعلان عن وصول القطار المتوجه إلى مدينة الرباط عبر مكبر الصوت، حتى قفز الكتاب الرقمي وعاد سيرته الأولى، كما عاد الكتاب الورقي إلى سكونه المعهود..

المشهد الثاني: في القطار

ركب الرجل ومعه الشبان الثلاثة القطار وأخذ كل مكانه، قبل أن يبادر أحدهم بالحديث من جديد.

-ألا تعتقد أيها السيد أن الكتاب الرقمي كان محقا في كل ادعاءاته ؟

-بالتأكيد، لكن ادعاءات كتابي أيضا كانت في محلها، ولو أمهلنا الوقت لتمكن الكتاب الورقي من دحض كل التهم التي وجهت إليه...

استدرك أحد الشبان قائلا :

-لقد هدد الكتاب الرقمي باللجوء إلى القضاء وعرض كل الأفعال المشينة التي اقترفها الكتاب الورقي أمامه.

- مهلا مهلا أيها الشاب..فالكتاب الرقمي نفسه ليس نظيف اليدين، ولقد سمعت بنفسك كم الاتهامات الخطيرة التي وجهها له كتابي المسكين.

-من منهما المحق في اعتقادك يا سيدي ؟

-أنا لم تتضح لي الرؤية بعد، ولكن أعتقد أن القضاء هو الذي سيفصل في النزاع.

-أتعتقد أن الكتاب الرقمي جاد في ما قال ؟

-نعم، لقد بدى في عينيه إصرار غريب على مقاضاة الكتاب الورقي، إنه يرغب في إزالته من الوجود، ولكن بطريق قانوني.

فجأة أخذ الشاب يحدق في شاشة هاتفه الذكي بعينين تملأهما الدهشة ثم صاح قائلا: تعالوا تعالوا بقربي لتروا ماذا يجري، لقد ذهب الكتاب الرقمي فعلا إلى محكمة الجنايات وقدم شكاية إلى ممثل الحق العام.

-الرجل: ألم أقل لك، لقد كان عازما على فعلته.

-الشاب: وماذا تقترح الآن يا سيدي ؟

-فلنذهب إلى المحكمة ونستقصي عن موعد الجلسة.

-أتعني أنه يتوجب علينا حضور الجلسة ؟

-أجل، إنها قضية الساعة، والحسم فيها قد يقرب بين وجهات نظرنا نحن أيضا.

-كيف ذلك ؟

-أنتم تعتقدون أن الرقميات أزالت الكتاب من المشهد الثقافي، وأنا أرى العكس. مناقشة القضية من لدن أناس متخصصين ستوضح لي ولكم الكثير من الإشكالات التي كانت عالقة في أذهاننا وأذهان الكثيرين.

- معك حق، سيكون لنا لقاء قريب في قاعة الجلسات إن شاء الله.

 الفصل الثاني : المحاكمة

المشهد الأول : الجلسة الافتتاحية

قاعة الجلسات مكتضة بالحضور، أغلبهم من مهنيي الكتاب وفاعلي الثقافة والمجتمع المدني، ينتظرون بشوق ما ستسفر عنه المحاكمة، ويتجاذبون أطراف الحديث بخصوص الموضوع من حين لآخر.

فجأة فتح باب خلف منصة القضاة وظهر حاجب المحكمة، وقف جانبا وهو منتصب القامة ثم صاح : "محكمة"

بعدها دخل القضاة وأخذ كل مكانه، ثم بدأ القاضي الأوسط (رئيس الجلسة) بالحديث ؛

القاضي : بسم الله الرحمن الرحيم فتحت الجلسة

ملف قضية اليوم يضم طرفي نزاع، الكتاب الرقمي كمدع من جهة والكتاب الورقي كمدعى عليه من جهة أخرى.

الكتاب الرقمي يتهم الكتاب الورقي بالأفعال التالية:

-جريمة بيئية متمثلة في إتلاف القطاع الغابوي من أجل إنتاج أوراقه.

-استهلاك قدر كبير من العقارات والتجهيزات من أجل حفظه وتصنيفه وصيانته.

-إرهاق جيوب آباء وأولياء التلاميذ في فترة الدخول المدرسي.

-إرهاق الأطفال ذوو البنية الجسمانية الضعيفة واضطرارهم لحمله كل يوم ذهابا وإيابا إلى المدرسة.

-صعوبة إرساله ونقله بالسرعة المطلوبة بين المهنيين والقراء.

يؤازر الكتاب الورقي في هذه القضية الأستاذ: زايد

ممثل الحق العام السيد: عمر.

توجه القاضي إلى المدعى عليه بالحديث قائلا :

الكتاب الورقي، ما قولك في التهم الموجهة إليك ؟

الكتاب الورقي : أنا بريئ سيدي القاضي، كل ما فعلته كان بدافع إنساني نبيل، فلم يكن في نيتي سوى خدمة البشرية وإمدادها بنور العلم والمعرفة، وفي إطار ما تسمح به القوانين والأنظمة.

الكلمة لدفاع المتهم:

سيدي الرئيس لي جزيل الشريف أن أحظى اليوم بشرف الدفاع عن الكتاب الورقي، هذا الكتاب الذي نقل لنا تاريخ الأمم السابقة وعلومها وآدابها ولازال، كتاب ندين له جميعا بالمساهمة في تعليمنا وتلقيننا، كتاب تشرف بحمل كلام الله عز وجل لقرون خلت ولازال يفعل إلى يومنا هذا، وإذا به اليوم يلقى جحودا واتهامات خطيرة من طرف أقرب الناس إليه وهو الكتاب الرقمي. سيدي الرئيس، إن هذا ليس أمرا غريبا على شاب حدث السن، فلولا الكتاب الورقي لما وجد هو، لأنه لم يقم إلا باستنساخه وولوج الحاسوب، ماذا لو انقطع التيار الكهربائي هل سيبقى له وجود.

قام الكتاب الرقمي من مكانه منفعلا وهو يصيح :

أنا لا أسمح بهذا سيدي القاضي، لقد أهانني دفاع المتهم مرتين، في المرة الأولى قال أنني حدث السن أي أنني لا أع ما أقول، وفي الثانية قال أن وجودي رهين بوجود التيار الكهربائي...

القاضي: الزم مكانك من فضلك أنا لم أعطك الحق في الكلمة بعد.

-أتمم كلامك يا أستاذ

نعم، شكرا سيدي الرئيس. إن التهم التي وجهها المدعي لموكلي غير ذات معنى، فالقول بأنه يتلف القطاع الغابوي، فذلك من أجل تجنب ضرر أكبر يتمثل في الأذى الذي تلحقه إضاءة الأجهزة الإلكترونية بأعين القراء، إضافة إلى بعض الأمراض الأخرى التي تسببها له إشعاعات هذه الأجهزة، وهو ذات السبب الذي يجعله يشغل حيزا كبيرا من العقارات والتجهيزات.

أما عن إرهاق جيوب المواطنين فهي مسألة قد تحلها بعض الجهات المسؤولة في الدولة عن طريق تخفيض ثمن الكتاب المدرسي، وإنقاص عدد المقررات المطبوعة مع الاحتفاظ بالضروري منها فقط، ثم إنني لا أعتقد أن الكتاب الرقمي يقدم نفسه مجانا للتلاميذ والطلاب.

 القاضي: الكلمة للسيد ممثل الحق العام:

ممثل الحق العام : شكرا سيدي الرئيس لدي سؤالين لدفاع المتهم؛ ما قولك في كون موكلك يرهق الأطفال ذوي البنية الجسمانية الضعيفة، ويصعب إرساله ونقله بين المتعاملين به وقرائه ؟

بخصوص سؤالكم الأول فقد أجبت عنه قبل قليل، إذ يمكن للوزارة الوصية أن تختزل عدد المقررات الدراسية وتحتفظ فقط بالأساسي منها، كما بإمكان الأطفال ذوو البنية الجسمانية الضعيفة الاستعانة بمحفظات مزودة بعجلات، وهي متوفرة اليوم بغزارة في الأسواق، أما عن صعوبة نقله للأماكن البعيدة فأعتقد أنها مسألة بإمكان المدعي مساعدة موكلي في حلها.

القاضي : الكلمة للكتاب الرقمي

الكتاب الرقمي : سيدي الرئيس، إن الكتاب الورقي عدو للبيئة، فهو من جهة يقضي على الأشجار والنباتات التي تعتبر المزود الأساسي للإنسان بالأكسجين، ناهيك عن دورها الكبير في محاربة ظاهرتي التصحر والاحتباس الحراري، زد على ذلك أنه يتعرض للتآكل والتلف بعد سنوات قليلة من صنعه، فيصبح مصدرا للطفيليات والأمراض.

القاضي : دفاع الكتاب الورقي هل من تعقيب ؟

الدفاع : سيدي الرئيس إن مسألة إتلاف القطاع الغابوي لا يتحملها موكلي وحده، بل يتحمل قدرا ضئيلا منها فقط، إن تجار الخشب والأثاث المنزلي يستنزفون هذا القطاع أكثر، ومن أجل أسباب تافهة في بعض الأحيان يكون غرضها الزينة والترف ليس إلا، أما موكلي فهو يفعل من أجل التعليم والتثقيف والتنوير وشتان بين الهدفين والمقصدين، أبعد أن ساهم في

بناء أمم وحضارات عريقة نضعه اليوم في قفص الاتهام ؟ هذا يذكرني بالمثل العامي المغربي : "اصعد الكرمة لأكل التين، انزل من طلب منك هذا ؟".

تعالت قهقهات الحاضرين داخل الجلسة، وأخذ القاضي يضرب بمطرقته الخشبية ويردد : هدوء هدوء من فضلكم.

بعد أن هدأت القاعة وسكت كل الحاضرين أردف القاضي قائلا :

-السيد دفاع المتهم، إن المدعي اتهم موكلك أيضا بأنه يعرض صحة القراء للخطر وذلك عندما يتعرض للقدم والتآكل، كيف تجيب عن هذا الاتهام ؟

-سيدي الرئيس هناك مجموعة من التدابير يقوم بها المكتبيون من أجل صيانة الكتاب من المرض والتآكل، كالتهوية وفسح المجال لأشعة الشمس كي تحارب الرطوبة بداخله، بالإضافة إلى تنظيفه يوميا من الغبار بمناديل من القماش وغيرها من الوسائل.

أما عندما يصير قديما ولا تنفع معه حتى تقنيات المعالجة الكيميائية، فيتم استبداله وتعويضه من خلال نظام التعشيب.

-القاضي : ألا ترى أن ذلك مكلفا يا أستاذ ؟

-في الواقع لا، فالكتاب الورقي إذا تمت صيانته والمحافظة عليه من طرف عاملي المكتبة لا يتعرض للمرض والتآكل، وحتى إن حدث هذا فهو يتم بعد سنوات طويلة جدا، يكون محتواه خلالها قد صار متجاوزا، فيتم استبداله بطبعة جديدة حتى وإن بقي في حالة صحية جيدة.

ثم إن الكتاب الرقمي أيضا يتعرض للفيروسات، ويكلف أصحاب الحواسيب غاليا من أجل شراء مضادات الفيروسات الرقمية، ناهيك عن الأمراض التي تسبهها إشعاعاته في بعض الأحيان للقراء، والانفجارات التي تتعرض لها الهواتف الذكية إذا بقيت في الشحن مدة طويلة. أطرق القاضي برأسه قليلا وأخذ يقلب صفحات الملف الذي أمامه، بعدها أخذ يناجي المستشارين القاعدين بجانبه ثم توجه بالحديث للعموم قائلا :

تؤجل الجلسة إلى الشهر المقبل من أجل الاستماع للشهود.

المشهد الثاني : الشهود

كانت قاعة الجلست هذه المرة أكثر اكتضاضا من سابقتها، فقد حضر رجال الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وكانوا يلتقطون الصور من حين لآخر ويجرون حوارات مع المحامين ورجال الثقافة والمجتمع المدني...

ما إن نادى الحاجب : محكمة، حتى غادر الصحفيون القاعة وعاد الحاضرون إلى أماكنهم ملتزمين الصمت.

القاضي : بسم الله الرحمن الرحيم فتحت الجلسة، نادوا على شاهد الإثبات الأول.

تقدم الشاهد بخطى وئيدة نحو هيئة المحكمة، ومثل أمام القاضي. توجه إليه القاضي بالكلام؛

القاضي : اسمك وسنك ومهنتك

الشاهد : اسمي عادل، سني ثلاثون سنة وأمتهن الكتابة منذ فترة.

القاضي : ارفع يدك اليمنى وقل "أقسم بالله العظيم أن أقول الحق"

الشاهد : أقسم بالله العظيم أن أقول الحق.

القاضي : تفضل بالحديث

في الواقع سيدي الرئيس أن المدعى عليه يكلفني غاليا، فعندما أطبعه على نفقتي الخاصة أدفع لصاحب المطبعة وللموزع والبائع، وحين تتكفل دار النشر بطباعته وتوزيعه والدعاية له لا يبق لي سوى هامش قليل من الربح. أما الكتاب الرقمي فقد أطبعه وأوزعه وأسوقه بنفسي وأحتفظ بكل الأرباح لنفسي.

دفاع الكتاب الورقي هل من سؤال ؟

الدفاع: نعم سيدي الرئيس، سؤالي موجه للشاهد، هل سبق لك أن نشرت كتابا رقميا على نفقتك الخاصة ؟

-الشاهد : لا يا أستاذ

-الدفاع: وكيف عرفت أن الكتاب الرقمي سيكلفك أقل.

-الشاهد : هو مجرد تخمين

-الدفاع : شكرا سيدي الرئيس.

القاضي : نادوا شاهد الإثبات الثاني

بعد مثول الشاهد الثاني أمام القاض سأله السؤال الروتيني ؛

القاضي : اسمك وسنك ومهنتك.

الشاهد : اسمي عمار، سني اثنتان وثلاثون عاما، موثق معلومات.

القاضي : ارفع يد اليمنى وقل "أقسم بالله العظيم أن أقول الحق"

الشاهد : أقسم بالله العظيم أن أقول الحق.

-القاضي : تفضل

سيدي الرئيس إن مهمتي توثيق المعلومات داخل المؤسسات والشركات، بما فيها الكتب الورقية وملفات الأرشيف، في الواقع إن التعامل مع الكتاب الورقي أمر في غاية التعقيد، فهو يشغل مساحة كبيرة من مركزي داخل المؤسسة، كما أن رقمنته تأخذ وقتا طويلا، وإذا أردنا استيراده من الخارج فذلك يكلف مؤسستنا غاليا.

القاضي : دفاع المتهم هل من تعقيب.

الدفاع : نعم سيدي الرئيس لدي سؤالين للشاهد ؛

إذا تعرضت قاعدة بياناتك لعطل معين بسبب انقطاع التيار الكهربائي، أو أصيبت بفيروس...ألا تلجأ للنسخ الورقية من أجل مواصلة عملك ؟

-الشاهد : نعم

الدفاع : هل شراء الكتب الرقمية أو تحميلها يكون دائما مجانيا ؟

الشاهد : لا، كل الكتب التي تحتاجها مؤسستنا عالية الجودة، وعلى درجة عالية من التخصص، لا يمكن تحميلها مجانا.

الدفاع : سيدي الرئيس إن دفوعات كل من الشاهدين لا تستند على أساس قوي، فالكاتب يدعي أن نشر أعماله بالاعتماد على مجهوده الشخصي من خلال الأنترنيت أمر غير مكلف، مع العلم أن توضيب الكتاب من الناحية الفنية بشكل احترافي يحتاج إلى خبرة ذوي الاختصاص، وهم يطلبون مقابلا لعملهم، زد على أن التسويق عبر الأنترنيت بشكل فعال لا يتم دون دفع مقابل مادي.

وإذا لم يكن ملما بعلم البرمجيات والتطوير المعلوماتي فقد يتعرض عمله للقرصنة بسهولة فائقة، كما أن هناك فئة عريضة من القراء لا زالت تفضل التعامل مع الكتاب الورقي، ما الحل إذا طلب منه أحد زبنائه إمداده بالنسخة الورقية ؟...

أما الشاهد الثاني فقد اعترف أمام أنظاركم بأنه لا يستطيع الاستغناء عن النسخة الورقية في حالة تعرض قاعدة بياناته لعطل ما.

وبهذا فأنا متمسك ببراءة موكلي وإخلاء سبيله.

القاضي : ممثل الحق العام هل من تعقيب ؟

ممثل الحق العام : نعم سيدي الرئيس، إن دفوع السيد المحامي تقوم كلها على افتراضات من قبيل ماذا لو تعرض كتابك للقرصنة ؟ ماذا لو تعرضت قاعدة البيانات للعطل ؟... إلخ.

وأنا أقول، ماذا لو لم يحدث كل هذا ؟ أنترك المتهم يعيث في الأرض فسادا ؟ لقد رفعت الدول المتقدمة وعلى رأسها فرنسا منذ سنة 1970 شعار "مكاتب بدون ورق"، وذلك لكون أرشيفات مؤسساتها كانت ملآى عن آخرها، وتسببت للعديد من عمال الأرشيف بالمرض من جراء الغبار والطفيليات المتناثرة على الأوراق، أنظر اليوم إلى مكاتبهم إنها تشع نظافة وألقا، بعد أن رقمنوا كل مصالح الأرشيف وجمعوها في أقراص وفلاشات تشغل حيزا مكانيا صغيرا، ولا تحتاج للحفظ والصيانة في كل وقت وحين.

القاضي : التعقيب لدفاع المتهم

الدفاع : سيدي الرئيس إن زميلي ممثل الحق العام يتحدث عن الوثائق الإدارية لا على الكتب، وأنا متفق معه على الدور الذي لعبته الرقمنة في حل العديد من المشاكل المرتبطة بالأرشيف، وإن كانت لم تستطع تنحية الوثائق الورقية بشكل كلي، فالتعامل بها لا زال ساريا إلى يومنا هذا.

أما بخصوص تعقيبي على كلام الشاهدين فأنا لم أستند على فرضيات وإنما على واقع يفرض نفسه وبشدة، ولا زال دعاة الرقمنة لم يعثروا له عن حلول إلى اليوم. ثم إنني ألتمس من محكمتكم الموقرة استدعاء بعض شهود النفي، فلا تكتمل محاكمة دون الاستماع إليهم أيضا، شكرا سيدي الرئيس.

أخذ القاضي يستشير مع زملائه ثم قال :

-نادوا شاهد النفي الأول

تقدمت الشاهدة نحو هيئة المحكمة ومثلت أمام القاضي.

القاضي : اسمك وسنك ومهنتك.

الشاهدة : إسمي فاطمة، سني ثمانية وأربعون سنة، ربة بيت.

-أقسم بالله العظيم أن أقول الحق

القاضي : تفضلي

أنا يا سيدي القاضي أم لمراهقين، أحدهما في المرحلة الإعدادية والآخر في المرحلة الثانوية، لا يفارقون هواتفهم الذكية وحواسيبهم بحجة المذاكرة، وحين أقترب منهم لأتبين الأمر أجدهم منغمسين في ألعابهم الإلكترونية، ودردشاتهم على الفيسبوك...مع أن كتبهم الرقمية متوفرة على ذات الأجهزة. إن تلك الأجهزة تشتت تركيز التلاميذ والطلاب وحتى الكبار، عندما يشرع المرء في قراءة كتاب أو رواية كثيرا ما تقاطعه بعض الرسائل والمكالمات من الأصدقاء فتصرفه عما كان بصدده، ناهيك عن بعض الأخبار والحملات الدعائية التي تظهر على حين غرة، فإذا كان هذا حالنا نحن الكبار فما بالك بالأطفال والمراهقين.

أنا ألتمس منكم سيدي الرئيس إنصاف الكتاب الورقي، فهو يساعدنا على الاحتفاظ بتركيزنا.

القاضي : دفاع المتهم هل من سؤال ؟

الدفاع : لا سيدي الرئيس

القاضي : السيد ممثل الحق العام هل من سؤال ؟

ممثل الحق العام : لا سيدي الرئيس.

القاضي : نادوا على الشاهد الثاني.

تقدمت سيدة في الثلاثينيات من العمر ومثلت أمام هيئة المحكمة.

القاضي : اسمك وسنك ومهنتك

الشاهدة : اسمي حنان، سني أربعة وثلاثون عاما، شاعرة.

-أقسم بالله العظيم أن أقول الحق

القاضي : تفضلي

-أنا سيدي الرئيس لا زلت إلى يومنا هذا لا أقرأ في غير الكتاب الورقي، فهو خفيف الوزن والظل، أحمله معي إلى الأرياف وشاطئ البحر، دون تخوف من إمكانية نفاذ بطرياته، وعندما ينتابني إحساس الكتابة أنتشل مفكرتي الورقية الصغيرة بسهولة ويسر من جيبي، وأدون بها ما يحلو لي من أشعار وخواطر.

لا أستطيع أن أتخيل حياتي دون أوراق ودون كتاب ورقي.

القاضي : الكلمة لدفاع المتهم.

الدفاع : بعدما استمعنا سيدي الرئيس، حضرات السادة المستشارين إلى أقوال الشاهدتين، ازدادت قناعتي شخصيا بضرورة محافظتنا بل وحمايتنا للكتاب الورقي، هو فعلا كتاب يستحق التبجيل والاحترام، فبعد كل هذا التطور الحاصل في مجال تكنولوجيا المعلومات، لا زال يحافظ على مكانته حتى لدى خصومه، وهو ما لمسناه من خلال أقوال شاهدي الإثبات اللذين قدمتهما النيابة العامة.

القاضي : الكلمة للكتاب الرقمي.

-لقد أدركت بعد الاستماع لدفوعات كل من زميلي الكتاب الورقي ودفاعه وكذا شهود النفي، أن التهم التي وجهتها إليه كان لها ما يبررها، لهذا فأنا أسألكم تمتيعه بظروف التخفيف، شكرا.

القاضي: الحكم بعد المداولة، رفعت الجلسة.

ما إن غادر القضاة الثلاثة القاعة حتى عادت إلى صخبها الأول، اتجه المحامي للكتاب الورقي وأمسك بيديه قائلا : اطمئن سيكون الحكم في صالحنا إن شاء الله.

بعدها اتجه الكتاب الرقمي إلى الكتاب الورقي وعلى وجهه نظرة إشفاق وعرفان وندم، ثم قال له : سامحني يا صديقي لقد كنت قاسيا معك.

فجأة ظهر الحاجب ووقف وقفته المعهودة صائحا : محكمة

دخل بعدها القضاة الثلاثة مباشرة وأخذوا أماكنكهم، ثم نطق رئيس الجلسة بالحكم :

حكمت المحكمة حضوريا ببراءة الكتاب الورقي ومصالحته مع الكتاب الرقمي ليتمكنا من إكمال مشوارهما سوية.

رفعت الجلسة.

عانق الكتاب الرقمي والكتاب الورقي بعضهما البعض وتعالى صياح الحضور : يحيا العدل يحيا العدل...

توجه الكتابان إلى المحامي وشكراه بحرارة، ثم قال الكتاب الورقي : شكرا لك يا أستاذ لقد كنت رائعا أنا مدين لك بحياتي.

المحامي: كلنا مدينون لك أيها العظيم، مرافعتي عنك لم تكن إلا ردا للجميل.

بعدها وضع الكتاب الورقي يده في يد الكتاب الرقمي وانطلقا خارج المحكمة.

الفصل الثالث : التعايش

المشهد الأول : حديقة المحكمة

وقف الكتابان وسط الحديقة قرب النافورة والحمائم تحيط بهم من كل جانب وهما مبتسمين.

الكتاب الورقي : ما أجمل الحرية، كأني كنت في كابوس واستيقظت في هذا المكان الجميل.

الكتاب الرقمي : أجل، لقد ظننت أنني أستطيع إكمال المشوار وحدي وبدونك، ضاربا عرض الحائط بكل ماضيك العريق وأمجادك.

الكتاب الورقي : لم يكن رأيك وحدك فقد سمعت بنفسك ماقاله الشبان الثلاثة في البداية بشأني، فضلا عن شهود الإثبات، وهم يمثلون فئة عريضة من المجتمع.

الكتاب الرقمي : حمدا لله، لقد تجلت لنا الحقائق بفضل محاميك، من دلك على مكتبه ؟

الكتاب الورقي : لا أحد، أنا نفسي فوجئت عندما وجدته قد سبقني إلى مكتب وكيل النيابة وبدأ المرافعة عني.

الكتاب الرقمي : لا زال لديك الكثير من المحبين والمعجبين، نسيت أنك سبقتني للوجود بآلاف السنين.

الكتاب الورقي : في نظرك هل ستستمر المعارك بين أنصاري وأنصارك.

الكتاب الرقمي : بعد هذه المحاكمة/المناظرة لا أعتقد، الكل الآن مقتنع بضرورة تعاوننا من أجل بلوغ الغاية النبيلة.

الكتاب الورقي : وما هذه الغاية النبيلة ؟

-لقد حققتها أنت بالفعل على مدى قرون خلت، كل ما وصل إليه العالم من حضارة وأنوار إلى حدود نهايات القرن الماضي كان بفضلك، ألم تسمع مقولة ألكسندر وبيرك "لو تحطمت كل الآلات الحديثة وبقيت المكتبات لتمكن رجال العصر من بناء هذه الحضارة العظيمة".

-صحيح، والمكتبات أصبحت تشملك أنت أيضا اليوم بفضل سهولة وسلاسة تنقلك بين المستعملين، لقد قدم الأنترنيت خدمة كبيرة لي ولك.

-بالنسبة لي فأنا ابنه وأعيش بداخله، لكن كيف خدمك أنت ؟

-بفضله أصبح تسويقي وإشهاري بل وحتى كتابتي تتم بشكل أسهل وأسرع وبتكاليف أقل.

-أجل طبعا، لكن كيف تعتقد أننا سنتعاون بشكل فعال.

-تعال معي نقم بجولة حول بعض المرافق لأريك.

المشهد الثاني : جولة استكشافية

ولج الكتابان أحد المكتبات الوسائطية كطيفان لا يراهما أحد، فلمحا مجموعة من القراء يصطفون وراء حواسيب ثابثة، وكل واحد منهم منهمك بالبحث عن الكتاب/الوثيقة التي يحتاجها، ثم قال الكتاب الورقي :

-أرأيت كيف أن التكنولوجيا أتاحت البحث والعثور عني بيسر وسهولة دون وساطة أحد موظفي المكتبة.

-أجل أجل وإني أرى بعض القراء يطلون على بعض الوثائق أيضا من عين المكان وهذا بفضل رقمنتك.

فجأة بدأ يصل إلى مسامعهما حوارا حادا بين أحد القراء والموظف المكلف بقاعة المطالعة، اقتربا منهما فوجدا القارئ غاضبا وهو يخاطب الموظف قائلا :

-منذ زمن وأنا آتي للمكتبة ولا أجد الكتاب الذي أبحث عنه على الرفوف، مع أنه متوافر في الفهرس الإلكتروني.

-هدئ من روعك لعل أحدهم استعاره أوبصدد استعماله الآن.

-ألا تملكون منه سوى نسخة واحدة.

-هذا النوع من المراجع نقتني منه أربعة نسخ.

-لكن أين هي ؟

-كلها الآن قيد الاستعمال، هل أنت مشترك بالمكتبة ؟

-نعم

-إذن لماذا لا تطالع نسخته الرقمية، فهي موضوعة رهن إشارة القراء في موقعنا الإلكتروني.

-انبسطت أسارير القارئ وقال :

-فكرة رائعة، كيف لم تخطر ببالي شكرا جزيلا.

-الكتاب الورقي : أرأيت كيف ساعدتني الآن أيضا.

-أجل يا صديقي، أصبح كلانا يقدم خدمات جليلة للإنسانية.

-إذن لا حاجة لي بأخذك إلى مرافق أخرى من أجل إبراز مدى التعاون الحاصل بيننا.

-هدفنا الآن يكمن في إقناع وإخبار كافة الناس بهذا التعاون والتعايش من أجل الاستفادة منه إلى أبعد الحدود.

-هو دور يشاركنا فيه الفاعلون التربويون والمدربون والجمعيات والمكتبات والمدارس...

هدئ من روعك فالقادم أجمل إن شاء الله.